
بغداد – محمد غازي جابر
يعدّ موضوع التربية في زمن الذكاء الاصطناعي من أكثر القضايا إلحاحاً في السياق التربوي المعاصر، نظراً للتغلغل العميق للتقنيات الذكية في الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، وما تفرضه من تحولات جذرية في أنماط الإدراك والتفكير والتنشئة الاجتماعية. ولم يعد التحدي التربوي مقتصراً على مسألة كمّ التعرض للشاشات، بقدر ما أصبح مرتبطاً بطبيعة المحتوى الرقمي ذاته، ومصادره، وآليات إنتاجه، وقدرته على إعادة تشكيل وعي الطفل وعلاقته بالواقع.
وتشير تقارير حديثة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في أواخر عام 2024 إلى تنامي صعوبة تمييز الأطفال بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولّد خوارزمياً، ولا سيما في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والواقع الافتراضي. ويُنظر إلى هذا التداخل المتزايد بين الواقعي والمصطنع بوصفه عاملاً مؤثراً في تشكل الإدراك العاطفي والاجتماعي لدى الأطفال، حيث تصبح التجربة الرقمية بديلاً جزئياً عن الخبرة الحسية المباشرة.
وتعزز هذه المخاوف نتائج دراسة موسعة أجراها معهد أبحاث الإنترنت بجامعة أكسفورد ونُشرت عام 2025، والتي خلصت إلى وجود انخفاض ملحوظ في قدرة الأطفال دون سن العاشرة على تمييز التعبيرات العاطفية الإنسانية الحقيقية عند تعرضهم المكثف لوجوه ومناظر مولّدة بالذكاء الاصطناعي. ولا يمكن فهم هذه النتائج بوصفها علاقة سببية مطلقة، لكنها تكشف عن ارتباط قوي يستدعي القلق التربوي، لما يحمله من مؤشرات على احتمالية تشكل فجوة مستقبلية في التعاطف الاجتماعي والذكاء العاطفي.
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الجوانب الإدراكية البصرية، بل يمتد ليطال البنية المعرفية وأساليب التفكير ذاتها. أن الاعتماد المكثف على المساعدات الذكية في أداء الواجبات المدرسية والبحث المعرفي يرتبط بتراجع ملحوظ في ما يُعرف بـ “المرونة الذهنية” لدى المراهقين، وهي القدرة على التفكير النقدي، وتوليد البدائل، وبناء الحلول بشكل مستقل.
ويفسّر الباحثون هذه الظاهرة بما يُعرف في علم النفس المعرفي بتقليص الجهد الذهني، إذ يؤدي الحصول السريع على إجابات جاهزة ومصقولة إلى تعطيل العمليات العقلية اللازمة لتشكيل الروابط العصبية العميقة. وفي هذا السياق، يتحدث علماء الاجتماع الرقمي عن مفهوم “الاتكالية الرقمية” بوصفه نمطاً جديداً من التفاعل مع المعرفة، يُضعف مهارات حل المشكلات في العالم الواقعي، ويجعل الفرد أقل استعداداً للتعامل مع المواقف المعقدة وغير المتوقعة.
فيما تتضاعف خطورة الذكاء الاصطناعي عند الانتقال من المجال المعرفي إلى المجال القيمي والأخلاقي، خصوصاً مع الانتشار المتسارع لتقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) فقد حذرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في تقريرها الدوري لعام 2025 من أن التعرض المتكرر لمحتوى مفبرك رقمياً قد يؤدي إلى اهتزاز ثقة الأطفال بالحقائق التاريخية والعلمية، ويُسهم في إضعاف قدرتهم على التحقق والتمييز.
ولا تكمن الخطورة هنا في التضليل بحد ذاته، بل في تطبيع الشك المعرفي لدى النشء، بحيث يصبح كل شيء قابلاً للتشكيك، وكل حقيقة نسبية، وهو ما يفتح الباب أمام الانقياد السهل للشائعات والخطابات المضللة، ويقوّض أسس الوعي الأخلاقي القائم على الصدق والمسؤولية.
في ضوء ما سبق، يتضح أن الذكاء الاصطناعي ليس شراً مطلقاً ولا خلاصاً تقنياً كاملاً، بل أداة قوية ذات وجهين، تتوقف آثارها على طبيعة الاستخدام ومستوى الوعي المصاحب لها. وتبقى التربية الواعية، القائمة على القيم الإنسانية الراسخة، والتفاعل الإنساني الحقيقي، خط الدفاع الأول لحماية الفطرة الإنسانية للأطفال في عالم تحكمه الخوارزميات. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من التقدم، ينبغي أن تظل وسيلة للتطور، لا بديلاً عن الوعي، ولا نقيضاً للإنسان.