
قراءة في رمزية القيادة والثبات أمام التهديد
3/3/2026
في السنة الماضية ذهبتُ إلى مازندران شمال إيران،كانت الرحلة عادية في ظاهرها، سياحة هادئة بين بحرٍ أخضر وجبالٍ تلامس الضباب، لكنها تركت في داخلي جملةً واحدة لم تغادرني حتى اليوم، كنتُ أمشي بلا وجهة في أحد أسواقها القديمة، ذلك النوع من المشي الذي لا تعرف فيه إن كنتَ تستكشف أم تهرب، توقفتُ أمام جدار تعلوه صورة شاب قُتل في الحرب في العشرين من عمره، أو هكذا بدا. عيناه مثبتتان على شيء لا يراه المارّة.. تحت الصورة سطرٌ فارسي مكتوب على عجل، سألتُ رجلاً يجلس قريباً يشرب الشاي، فأشار إلى العبارة وقال بعربية: ”من مات مقاوماً أخطر من من بقي حياً.” لم أعلّق. أخذتُ الجملة ومشيت.
طوال اليوم كانت العبارة تسير معي، لم تكن غامضة ولا شعرية أكثر من اللازم؛ كانت واضحة حدّ البداهة، كأنها تنتمي إلى نظام معنى مختلف، نظام يرى الموت بطريقة لا تشبه ما نتعلمه في كتب السياسة، وحين قرأتُ لاحقاً أن مسؤولاً رفيعاً في إدارة دونالد ترامب أبدى دهشته، في حديث لموقع أكسيوس، من أن علي خامنئي لم يختبئ تحت الأرض في ذروة التهديد، عاد إليّ ذلك الجدار، شعرتُ أن الدهشة لم تكن استخباراتية بقدر ما كانت وجودية؛ دهشة من لا يدرك أن خصمه لا يرتب القيم بالطريقة نفسها.
في السياق الإيراني، وخصوصاً داخل البنية الفكرية التي تشكّلت منذ الثورة، يُفهم الاستشهاد بوصفه حدثاً يتجاوز كونه خسارة، في القراءة التي قدّمها مفكرون مثل علي شريعتي، ثم أعاد توظيفها روح الله الخميني، تحوّل الشهيد إلى نموذج أعلى للإنسان الثوري؛ لأنه اختار معنىً للموت يتجاوز حياته الفردية، يصبح حضوره بعد الغياب أقوى من حضوره قبل الرحيل، الصورة لا تشيخ، والرمز لا يساوم، والذاكرة الجماعية تتكفّل بتجميد اللحظة عند ذروتها.
الشهيد خامنئي نفسه ابن هذا التصور، وُلد عام 1939 في مشهد، وعاش شبابه في ظل صراع مع نظام الشاه، تعرّض للاعتقال والتعذيب، ونجا عام 1981 من محاولة اغتيال تركت أثراً دائماً في جسده، منذ توليه القيادة عام 1989، عقب وفاة الخميني، رسم لنفسه صورة القائد الذي يقف في مواجهة الضغوط ولا ينكسر، على امتداد عقود من العقوبات والتهديدات والصراعات الإقليمية، بُنيت حوله سردية الثبات، في مثل هذا البناء الرمزي، يصبح الاختباء حتى لو كان مبرراً عسكرياً إشارة مربكة، لأن صورته التي قدّمها لأتباعه لا تحتمل هذا التراجع الرمزي.
المشكلة أن كثيراً من التحليلات الغربية تنطلق من افتراض بسيط: الإنسان يسعى أولاً إلى البقاء. هذا افتراض منطقي في إطار نظريات الاختيار العقلاني، حيث تُقاس القرارات بمنفعتها المباشرة،لكن ماذا لو لم يكن البقاء البيولوجي هو القيمة العليا؟ ماذا لو كان الحفاظ على المعنى، أو الصورة، أو الوعد الذي قُطع أمام الجمهور، أهم من إطالة العمر سنواتٍ إضافية؟ هنا تفقد التهديدات المباشرة جزءاً من فعاليتها؛ لأن من يتقبل الموت كخاتمة مشرّفة لا يرى فيه العقوبة القصوى.
تخيّلت للحظة أثر وفاة الشهيد خامنئي على الاستراتيجيات الغربية: في الحسابات الباردة قد يُنظر إلى رحيله على أنه نهاية رأس النظام، لكن في الحساب الرمزي تحوّل إلى لحظة تعبئة كبرى، حيث قدّم الشهيد خامنئي نفسه كشخص سقط في مواجهة الاستكبار، وصارت صورته محفوظة في الذاكرة العامة تحت ظل القداسة، لتصبح أيقونة نهائية، محصّنة من النقد، ويعاد إنتاج السردية التي تقول إن الصراع وجودي لا تفاوضي. التاريخ الحديث في المنطقة يبيّن أن موت القادة لا يطفئ الحركات دائماً؛ أحياناً يمنحها وقوداً جديداً.
مردُّ ذلك أن دهشة المسؤول الأمريكي تعكس صدىً لسوء فهم أعمق، تتجاوز المسألة ثنائيات الشجاعة والتهور، لترتقي نحو منظومة تمنح الموت معنىً مفارقاً، إزاءَ قراءة العالم عبر خرائط المصالح المادية الصرفة، تتوارى الطبقات الأعمق: الذاكرة، العقيدة، الرمز، والكرامة المتخيَّلة التي تفوق في وزنها أي حسابات مادية.
أعود أحياناً بذاكرتي إلى ذلك السوق في مازندران، إلى صورة الشاب وكوب الشاي والعبارة المكتوبة بخطّ مستعجل، لا أعرف ماذا حلّ بصاحبها، ولا إن كان ما يزال يعتقد الشيء نفسه، لكنني أدركت أن الجملة التي قالها لم تكن حماسة عابرة، كانت مفتاحاً لفهم جزء من العقل السياسي في هذه المنطقة، “من مات مقاوماً أخطر من من بقي حياً.” ليست حكمة ثورية فقط؛ إنها طريقة في ترتيب العالم. ومن لا يفهم هذا الترتيب سيبقى، كل مرة، أمام جدار الدهشة نفسه.