في ذكرى مرور ألف عام على التأسيس المبارك….
ألفية المرجعية: منار الحكمة ومحراب الخلود
على التراب الطاهر، حيث تتوضأ الحروف بدموع الإخلاص، وتكتب الساعات ملحمتها على أديم الفجر، تنهض النجف الأشرف لتطوق جبين التاريخ بتاج من نور، ألف عام كاملة ومحراب الحكمة فيها لا ينطفئ، ومنار الهداية يمد جسوراً من النور بين السماء والأرض، عامها الألف هو دهور من العطاء، وديوان عظيم من الوعي، وسفر مضيء من الثبات على الحق.
فمنذ أن أرسى الشيخ الطوسي، قدس سره، قواعد تلك المدرسة المباركة، والنجف العظيمة تقرع أبواب المجد بقرع السواعد المتوضئة بالعلم والعرفان، لم تكن الحوزة العلمية يوماً مجرد جدران تؤوي طالباً؛ بل كانت الفضاء الرحب الذي يتسع لأسئلة الإنسان، والملاذ الذي تلجأ إليه أرواح الضالين لتمتلئ بيقين المعرفة. ألف عام من الدأب المستمر، ومن الحوار الحي الذي يزهر فقهاً وأخلاقاً وعلماً، لتبقى الكلمة هناك سيدة الموقف، والبرهان سيفاً لا يثلم.
لم تكن المرجعية الدينية يوماً منعزلة عن آلام الناس وآمالهم، بل كانت القلب النابض الذي يستشعر وجع الأمة، إنها الصخرة الراسخة التي تتكسر عليها أمواج الفتن، والكهف الحصين الذي يلوذ به المستضعفون حين تلاقيهم الظلمات، ففي كل منعطف خطير، وفي كل عاصفة هوجاء هددت كيان المجتمع، كانت الكلمة الفصل تنطلق من حنجرة الحكمة، فترسم طريق النجاة، وتجمع الشمل على كلمة الصدق والعدل.
فسلامٌ على ألف عام من المجد التليد، سلامٌ على تراب غفا على ذكره التاريخ فازداد بهاءً، سلامٌ على حوزة ناطقة بالحق لا تلين. ستظل النجف الأشرف، مرجعيةً وأرضاً وعلماً، قبلة للباحثين عن الحقيقة، ومشكاةً لا تخبو أنوارها ما أشرق صبح وما توالى ليل ونهار.
”ألف عام من الوفاء للعلم والقيم، وتبقى النجف الأشرف الشمعة التي تحترق لتضيء درب الإنسانية جمعاء.”
إذا كان ألف عام من عمر الحوزة العلمية في النجف الأشرف قد خطّ ملحمة الفكر والهدى، فإن العقود الأخيرة قد توجت هذا التاريخ المجيد بموقف استثنائي خالد، تجسد في الحكمة البالغة لسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف)، وبتلك الإستجابة المباركة التي أيقظت ضمير الأمة ممثلةً بفتوى الجهاد الكفائي، وولد على إثرها الحشد الشعبي البطل. فحين هبت عواصف الموت، وسادت لغة الدمار والظلام مع احتلال عصابات الإرهاب أجزاء عزيزة من أرض العراق، لم تكن النجف الأشرف بعيدة عن نبض الشارع وأنين المظلومين، فمن صومعة الحكمة والتأمل، انطلقت الكلمة الفصل من صوت الإمام السيستاني حفظه الله وأطال بعمره، فتصدعت أمامها أوهام الباطل. لم تكن تلك الفتوى مجرد نداء عسكري دفاعي، هي كانت رتبةً عليا من الإخلاص للوطن والإنسان، أعادت رسم خارطة العزة والكرامة، وجمعت أبناء العراق تحت خيمة واحدة تذوب فيها الفوارق أمام قدسية الدفاع عن المقدسات والأعراض.
وهناك، عند ثغور المجد وبوابات الفداء، لبّى الآلاف من أبناء الأمة النداء، فتشكل الحشد الشعبي سداً منيعاً وجداراً صلباً، لم يحمل هؤلاء الأبطال السلاح حبّاً للقتال؛ بل عشقاً للسلام وذوداً عن الحرمات، متخذين من وصايا المرجعية الدينية العليا أخلاقاً ومنهاجاً، إنهم الامتداد الحي لروح الحوزة العلمية، حيث يتسابق العالم والمتعلم والمزارع والعامل في ساحات الوغى، ليكونوا هم السد الذي انكسرت عليه أمواج الإرهاب الداعشي الأسود.
فمن الطوسي إلى السيستاني، هكذا التقى عِلم الألف عام بفعل اللحظة التاريخية الحاسمة، فالمرجعية التي صانت الفكر والتراث قروناً عديدة، هي ذاتها التي صانت الوجود والهوية حين حان وقتها، فسلامٌ على السيستاني، حكيم الأمة ورمز سلامها، وسلامٌ على دماء شهداء الحشد الأبرار وجراح تراب الوطن الغالي، لتبقى النجف الأشرف ومنارها العالي خافقة بالحق إلى أبد الآبدين.
”من حكمة النجف وعبق فتوى السيستاني، وُلد الحشد الشعبي ليكون درعاً للوطن وعنواناً أبدياً للكرامة والشموخ.”
كل عام ومرجعيتنا بألف خير.
